سيد محمد طنطاوي

258

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : ولم يكن إبراهيم - عليه السلام - من الذين أشركوا مع اللَّه - تعالى - آلهة أخرى في العبادة أو الطاعة ، أو في أي من الأمور ، بل أخلص عبادته لخالقه - عز وجل - . وقال - كما حكى القرآن عنه - : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأَرْضَ حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ « 1 » . ووصفه - خامسا - بقوله - سبحانه - : * ( شاكِراً لأَنْعُمِه ) * أي : معترفا بفضل اللَّه - تعالى - عليه ، ومستعملا نعمه فيما خلقت له ، ومؤديا حقوق خالقه فيها . قال - تعالى - : وإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أي : قام بأداء جميع ما كلفه اللَّه به . وبعد أن مدح - سبحانه - إبراهيم بتلك الصفات الجامعة لمجامع الخير ، أتبع ذلك ببيان فضله - تعالى - عليه فقال : * ( اجْتَباه ) * أي اختاره واصطفاه للنبوة . من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والاختيار . واجتباء اللَّه - تعالى - لعبده معناه : اختصاصه ذلك العبد بخصائص ومزايا يحصل له عن طريقها أنواع من النعم بدون كسب منه . * ( وهَداه إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * أي : وأرشده إلى الطريق القويم ، الذي دعا الصالحون ربهم أن يرشدهم إليه ، حيث قالوا في تضرعهم : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . وهو طريق الإسلام . * ( وآتَيْناه فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ) * أي : وجمعنا له خير الدنيا من كل ما يحتاج المؤمن إليه ليحيا حياة طيبة ، كهدايته إلى الدين الحق ، ومنحه نعمة النبوة ، وإعطائه الذرية الصالحة ، والسيرة الحسنة ، والمال الوفير . وقد أشار القرآن الكريم إلى جانب من هذه النعم ، كما في قوله - تعالى - : واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ « 2 » . وكما في قوله - تعالى - : فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه وَهَبْنا لَه إِسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا . . « 3 » . * ( وإِنَّه فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) * أي : وإنه في الدار الآخرة لمندرج في عباد اللَّه الصالحين ، الذين رضى اللَّه عنهم ورضوا عنه ، والذين كانت لهم جنات الفردوس نزلا .

--> ( 1 ) سورة الأنعام الآية 79 . ( 2 ) سورة الشعراء الآية 84 . ( 3 ) سورة مريم الآية 49 .